أنشطة المعهد
الرئيسية  /  أنشطة المعهد

التقرير الختامي للمؤتمر الدولي حول: "ما بعد داعش: التحدّيات المستقبلية في مواجهة التطرّف والتطرّف العنيف" مراكش-المغرب، 6-7 أبريل 2018

التقرير الختامي للمؤتمر الدولي حول: "ما بعد داعش: التحدّيات المستقبلية في مواجهة التطرّف والتطرّف العنيف"

مراكش-المغرب، 6-7 أبريل  2018


احتضنت مدينة مراكش المغربية، يومي 6 و7 أبريل (نيسان) الجاري، المؤتمر الدولي حول ""ما بعد داعش": التحدّيات المستقبلية في مواجهة التطرّف والتطرّف العنيف" المنعقد بشراكة بين مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" ومعهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والمختصين في مكافحة الإرهاب، من كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، وإفريقيا، والعالم العربي.

وقد خلص المؤتمر إلى أن انهيار تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا لا يعني الانتصار في الحرب على الإرهاب، لأن أيديولوجياته مازالت مستمرة، واعتبر المشاركون فيه أن ظاهرة "الذئاب المنفردة" وعودة المقاتلين الأجانب والعرب إلى بلدانهم، تشكلان تحديات كبرى لمرحلة ما بعد داعش، خصوصا أنهم اكتسبوا تجارب ميدانية، حيث يقدر عدد العائدين المنحدرين من الدول الأوروبية بحوالي 5 آلاف شخص، في مقابل ما يفوق 6 آلاف شاب من المنحدرين من منطقة شمال إفريقيا.

وحث المؤتمرون على التفكير الجماعي والعلمي الرّصين في مقتضيات مرحلة "ما بعد داعش"، من خلال استشراف الحالة "الجهادية" في مرحلة ما بعد الاندحار الميداني لتنظيم "داعش"، والذي لم يرافقه لحد الساعة اندحار أيديولوجي في أذهان أتباعه.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون في المؤتمر، أن نجاح الخطوة الأمنية والعسكرية، والتي أعطت أكلها نسبيا في العراق وسوريا، قياسا بتقلص الرقعة الجغرافية التي يتواجد عليها داعش، لا يعكس بالضرورة انتصارا كبيرا أو زوالا للخطر والتهديد، لأن الحرب العسكرية لم تصاحبها حرب فكرية وإصلاحات اجتماعية وسياسية، وإنتاج ثقافة مضادة، لا سيما أن تنظيم داعش، على إثر تراجعه في العراق وسوريا، صار يسعى إلى التمدد في بعض المناطق في إفريقيا وآسيا.

وشدد المشاركون على ضرورة محاربة كل النزعات الانفصالية في إفريقيا، والتقليص من الفقر والهشاشة، والفوارق الاجتماعية، وتأمين ظروف العيش الكريم، معتبرين أن من شأن كل تلك العوامل - بالإضافة طبعا إلى الإيديولوجيا التي تقدم قراءة مغلوطة ومبسوطة ومتطرفة للدين- أن تجعل التنظيم يعصف بالمنطقة، خاصة بعد أن وجد في ليبيا معسكرا جديدا له، وفي الميليشيات المسلحة في التشاد ومالي وكيكالي، المجال الأوفر لتمدده وتوسعه. كما أكد المشاركون على ضرورة انتزاع فتيل الصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط، وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، ووقف مخططات التفتيت في المنطقة، التي باتت ترزح تحت تهديد انتشار النزعات الطائفية، التي تؤجج التطرف، وتخلق البيئة المناسبة لانتشار التطرف العنيف.

وقد كان المؤتمر الدولي ثريا بالنقاشات العميقة التي تميزت بالصراحة والعلمية والدقة في تناول المعطيات المتعلقة بالتهديدات الإرهابية المستمرة لتنظيم داعش، وغيره من التنظيمات المتطرفة، على أوروبا وإفريقيا، والعالم العربي، والتحديات المستقبلية لمواجهة التطرف العنيف، وإشكالية عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم، وخطر إرهاب الذئاب المنفردة في العالم، فضلا عن الحاجة إلى قراءات استشرافية لمرحلة ما بعد داعش، من خلال إنتاج نموذج تفسيري يعالج جميع جوانب الظاهرة الإرهابية، ويقدم الحلول الناجعة لمكافحتها والسبل الكفيلة بالقضاء على التطرف والتطرف العنيف وأسبابها.

كما تميز المؤتمر بتقديم شهادات لقيادات سابقة في بعض "التنظيمات الجهادية"، التي قامت بمجموعة من المراجعات الفكرية داخل السجون، وهم نبيل نعيم، القيادي السابق في جماعة الجهاد المصرية، ومحمد نصر كروم، القيادي السابق في الجماعة الإسلامية بمصر، ومحمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) المعتقل السابق في ملف السلفية الجهادية بالمغرب، إضافة إلى مقاربات للمشتغلين على ملف التطرف العنيف في المغرب والعالم العربي وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة الأمريكية، والمتعاملين مع المؤسسات السجنية، والمشتغلين داخلها مع العناصر السلفية في سياق مسلسل المراجعات الفكرية وتفكيك خطاب التطرف والتطرف العنيف.

وقد أجمعت جلّ المداخلات على الضرورة الملحة للاهتمام بهذه الموضوعات الشائكة، والاشتغال عليها على جميع المستويات: الدينية، الفكرية، التعليمية، الاجتماعية، النفسية، السياسية، الاقتصادية، الأمنية، الرعاية البعدية... كما أكدت على ضرورة المعالجة الرصينة واليقظة لقضية المقاتلين العائدين وعائلاتهم ، وذلك بغية استئصال الأيديولوجيا الإرهابية، ونزع كل الأفكار والأيديولوجيات المتطرفة لديهم، وإدماجهم بالشكل الصحيح في مجتمعاتهم، لأن نسبة مهمة من المنتسبين لتلك التنظيمات تعاني من التهميش، والفقر، والجهل وغياب فرص العيش الكريم، ولأن العامل الاجتماعي يعد بلا شك واحدا من أهم العوامل التي تدفع بالشباب إلى الارتماء في أحضان التنظيمات "الجهادية".

الجلسة الافتتاحية

تميزت الجلسة الافتتاحية بحضور العميد حبوب الشرقاوي، رئيس فرقة مكافحة الإرهاب بالمكتب المركزي للأبحاث القضائية بالمغرب، والذي ألقى محاضرة افتتاحية حول موضوع: "المقاربة الأمنية المعتمدة للمملكة المغربية في مواجهة تحديات التطرف العنيف"، نيابة عن مدير المكتب، السيد عبد الحق الخيام، تناقلتها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، حيث أكد أنه لابد من تشديد الرقابة على تنظيم داعش، خاصة وأنه نقل مركز إدارته إلى ليبيا، ومناطق أخرى بغرب آسيا، وذلك بعد اندحاره في العراق وسوريا.

وأوضح العميد أن المغرب وجد نفسه وسط تحديات محدقة في محيطه الإقليمي، أبرزها انتشار الجريمة المنظمة، وتجارة السلاح، والهجرة السرية، وكلها أشياء تعمل على توسيع دائرة انتشار الإرهاب، ولكنه مع ذلك استطاع بفضل مجهودات المكتب المركزي للأبحاث القضائية، من تحقيق نتائج مهمة وتجنيب المغرب الكثير من العمليات الإرهابية، مشيرا إلى خطورة النزعات الانفصالية في تغذية الظاهرة الإرهابية، بدليل التحاق أكثر من 100 من انفصاليي البوليساريو بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

وأعلن السيد الشرقاوي أن المكتب المركزي قام منذ 2015 بتفكيك ما مجموعه 53 خلية إرهابية، 48 خلية منها لها ارتباط مباشر بتنظيم داعش، وذلك بفضل يقظة المغرب وانتباهه لخطورة الإرهاب منذ سنوات، واعتماده على مبادرات استباقية، مشددا على الخطر الإلكتروني المستمر لهذا التنظيم، الذي يجند التقنيين والمهندسين الذين يحسنون استعمال التقنيات المتطورة من أجل تسويق صورة التنظيم، واستقطاب الأتباع.

وشدد السيد الشرقاوي على ضرورة الاهتمام بليبيا التي تعد الآن المعقل الرئيس لهذا التنظيم الإرهابي، لأنه وجد في الفوضى وغياب المؤسسات في البلد، المجال الأوسع لنشر عناصره، من أجل استهداف المنطقة المغاربية وأوروبا، موضحا أن القضاء على تنظيم داعش بالعراق وسوريا، لا يعني القضاء عليه بشكل نهائي، لأنه يعرف ولادة جديدة في مناطق أخرى، ولا أدل على ذلك من عمليات الذئاب المنفردة، التي ما زالت تستهدف العديد من البلدان، والتي راح ضحيتها العديد من المواطنين عبر العالم، وخاصة أوروبا.

وأكد ممثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية أنه يجب الاهتمام بالعناصر العائدة من التنظيمات الجهادية، لأن العنصر البشري كان ولا زال هو العنصر المهم في هذه التنظيمات، وهو ما يستدعي المراقبة المستمرة والتأطير والتعاون من أجل القضاء على الإرهاب، وعلى الأفكار المتطرفة، مشيرا إلى أن الإرهاب يجب أن يحارب بالفكر أيضا.

كما عرفت الجلسة الافتتاحية إعلان محمد العاني، المدير العام لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، عن تأسيس وحدة متخصصة في دراسة الظاهرة الجهادية، التي ستعمل على تجميع كل الوثائق والمصادر والمعلومات الجديدة والقديمة، وذلك بغية فهم التطرف والإرهاب، والسعي إلى محاربته بالاعتماد على الفكر. وأشار إلى أن المؤسسة تعتزم القيام بدراسات ميدانية، وإطلاق برنامج توثيقي للظاهرة الجهادية، يضم 3 ملايين وثيقة مرئية ومسموعة من منتصف ستينيات القرن إلى الآن، تتعلق بالحركات الجهادية، والشخصيات المؤثرة فيها، من مواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي، كما أن هذا البرنامج يشتمل على وثائق خاصة تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لجهاديين سابقين.

وأوضح العاني أن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" تعمل حاليا على أرشفة هذه الوثائق، التي ستكون مستقبلا في متناول الباحثين المشتغلين على الموضوع، مؤكدا أن مجموع ما قامت به الحركات الإرهابية يتجاوز بكثير الوثائق المدروسة، وأن هذه الظاهرة الإرهابية ما زالت عصية على الفهم، ليس بسبب الظاهرة نفسها، ولكن لغياب المصادر الكافية، والتنسيق المتكامل والمثمر في الاشتغال على هذه الظاهرة مع مجموعة من الجهات والبلدان المعنية بهذا التهديد المحدق بأمن الدول واستقرارها، وتعارض المصالح والأجندات الخاصة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى حدوث ارتباك كبير، وعدم إلمام بنطاق الإرهاب والبيئة الحاضنة له.

وأكد العاني أن المشكل الكبير الذي نعيشه اليوم في البلدان الإسلامية يتمثل في "الهوس بالأسلمة"، الذي تقوده جماعات الإسلام السياسي، والسلفيات، حيث تطغى الأسلمة على جميع مناحي الحياة، ويطغى التعصب والتطرف، وهو ما يؤدي، برأيه، إلى التأسيس للمنظور العبثي للإنسان، الذي يحوله إلى مجرد آلة تخدم الإرادات العليا، منبها إلى التعاطي المستهتر بكرامة الإنسان العربي، والانحرافات الخطيرة للحداثة، التي حولت الأسس المتينة التي تنهض عليها الحضارة الغربية إلى نقاط ضعف تستغلها الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

ومن جهته، أكد محمد بنصالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بإسبانيا، أهمية انعقاد هذا المؤتمر في ظرفية دقيقة تتسم بالاندحار الميداني لتنظيم داعش، مع استمرار الأيديولوجية الداعشية، ومحاولات بقايا التنظيم للتمدد إلى جغرافيا الساحل والصحراء والمغرب الكبير، ووزيريستان، مبرزا الحاجة إلى نموذج تفسيري جديد لفهم الظاهرة ومكافحتها، ومشيرا إلى أن عقد هذا المؤتمر يندرج في سياق مشروع علمي بشراكة بين معهد غرناطة ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، حيث تشتغل المؤسستان على دراسات التطرف وتفكيك التطرف العنيف، وذلك من خلال التركيز على ثلاثة محاور كبرى، أولاها الندوات العلمية والمؤتمرات الدولية المختصة، التي نظمت في السنوات الأخيرة، في كل من إسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والآن في مراكش، وبعدها ستتلوها مؤتمرات في بريطانيا وبلجيكا، وإسبانيا خلال السنة الجارية. أما المحور الثاني، فيهم البحث العلمي في الظاهرة، في حين يركز المحور الثالث على التكوين الأكاديمي من خلال إنشاء برامج ماستر في جامعات أوروبية عريقة بشراكة مع مؤسسة مؤمنون بلا حدود ومعهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا.

وأوضح بنصالح أن مقاربة الظاهرة الإرهابية والتطرف يجب أن يتم الاشتغال عليهما برصانة علمية، وذلك من أجل إعادة هندسة العقليات والذهنيات لدى الأجيال الصاعدة في المجتمعات المعاصرة، والتي تعاني من أمرين بات لزاما الانتباه إليهما في سياق مكافحة التطرف والتطرف العنيف، أولهما تهميش النظام الدولي للشباب بسبب النيوليبرالية المتوحشة المستبيحة للإنسان والأوطان، وثانيهما شعور هؤلاء الشباب بالضياع في الشرق كما في الغرب، إذ لم يتم إيلاء العناية لشريحة واسعة من الشباب يبدو لها أن اليقين الوحيد هو اللايقين، ولذلك يسعى جزء منهم إلى البحث عن اليقين البسيط في الدين دون أن يعي تركيب التجربة الدينية بأبعادها التاريخية والاجتماعية. وهنا تبرز خطورة التنظيمات المتطرفة، لأنها تقدم "حلولا" بسيطة لإشكاليات مركبة، وهذا ما يفسر جزءا من قدرتها على استقطاب بعض الشباب والتغرير بهم.

وأشار بنصالح إلى أن جزءا من المشكلة في مقاربة الظاهرة الإرهابية، يكمن في الهوة القائمة بين صناع القرار وصناع المعرفة، مبرزا الحاجة الملحة إلى بناء القرارات المتعلقة بهذا الأمر وغيره على أساس الفهم العلمي والجواب المعرفي.

جلسات اليوم الأول (6 أبريل / نيسان)

قدم المشاركون في جلسات اليوم الأول من المؤتمر مجموعة من المقاربات النظرية والقراءات الميدانية لظواهر التطرف والتطرف العنيف بشكل عام، وأجمعوا على أن انهيار تنظيم داعش في العراق وسوريا لا يعني الانتصار النهائي في الحرب على الإرهاب.

وتحدث في الجلسة الأولى، المخصصة لمحور "المحددات المؤثرة في اعتناق الأيديولوجية الجهادية"، محمد المعزوز، أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عن التحولات الفكرية والاستراتيجية لمرحلة ما بعد داعش، وذكر أن القراءات التي تناولت ظاهرة داعش والتطرف بشكل عام، قراءات خطية وصفية تفتقد للبعد التحليلي والإبستيمولوجي والاستشرافي الذي يستدعي انتهاج النقد والتحليل في علاج ومقاربة وفهم الظاهرة، مشيرا إلى أن القراءة الأمنية هي السائدة، وأنها لا تستطيع لوحدها ضبط المسارات الفكرية والأيديولوجية للتنظيم ومن يماثله ومن سيأتي بعده.

وأضاف المعزوز أن ما بعد داعش، بشهادة المتتبعين، سيكون أخطر، وذلك لكون داعش "عملت على توسيع وبسط خطها الأيديولوجية، ووظفت الجرح التاريخي بكون المسلمين والعرب ضحية لظلم الغرب، وهذا الجرح لا يمكن شفاؤه في نظر داعش إلا بالانتقام.

وأوضح المعزوز أن داعش عملت على خلق نموذج تعليمي خاص بها، ينبني على أربعة عناصر، هي أولا المسلك التأويلي عبر تأويل النصوص تأويلات متطرفة، وثانيا إغلاق المعنى داخل الوعي واللاوعي، وثالثا ربط الجرح التاريخي بالمقدس، ثم أخيرا خلق مسافة بين الحياة والعصر من جهة والتدين من جهة أخرى. وعبر الباحث عن أسفه لأنه لم يتم التركيز على النظام التعليمي الذي تنبني مناهجه على التحايل في قراءة النص الديني وتأويله وتوليد مفاهيم خاصة بالإرهاب، وهو ما أدى برأيه إلى استشراء العنف المتبادل في العالم، بسبب فعل العنف مع داعش وغيرها، وعنف رد الفعل مع القوى العالمية كأمريكا وروسيا وأوروبا. ولهذا، فنحن اليوم في مرحلة ما بعد داعش في أمس الحاجة لتأويلات جديدة لتقوية الفكر والوجدان.

ومن جهته، قال دفيد بولوك، الخبير الأمريكي في الديناميكيات السياسية لدول الشرق الأوسط في مداخلة له بعنوان: "الاتجاهات المعتدلة الجديدة للرأي العام حول الإسلام"، إن "معظم الدول العربية اتجهت إلى اعتبار جماعة الإخوان المسلمين إرهابية"، وذلك بعد التحولات التي عرفتها المنطقة العربية مع أحداث الربيع العربي، مشيرا إلى أن نسبة المتعاطفين مع الإخوان المسلمين تراجعت خلال السنتين الماضيتين، حيث تبين للكثيرين الوجه الآخر للجماعة، وإن كانت تظهر بمظهر غير عنيف، إلا أنها غير متسامحة وليست معتدلة كما تدعي. وأوضح بولوك أن "فتيل التطرف والإرهاب هو فتيل الطائفية بين السنة والشيعة". كما كشف بولوك عن مفارقة اعتبرها مثيرة للدهشة، تتعلق بنسبة دعم داعش في تركيا، حيث قال الخبير الأميركي: "بلغ دعم داعش بين اثنين وخمسة في المائة في معظم المجتمعات العربية، في حين وصلت نسبة دعم داعش في تركيا إلى ثمانية في المائة، وفي بعض دول الساحل والصحراء تصل النسبة إلى خمسة عشرة في المائة، وأكثرها في السنغال. وعشرون في المائة من النيجيريين يدعمون جماعة بوكوحرام التي بايعت داعش". وأضاف الخبير الأمريكي أن التعاطف مع داعش والقاعدة في معظم الدول العربية والإسلامية، قد تراجع، وأن الصورة اليوم مختلفة عما كانت عليه بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، وغزو العراق في سنة 2003، والحرب اللبنانية الإسرائيلية في سنة 2006.

أما جون شارل بريزار، رئيس مركز تحليل الإرهاب بباريس، فتحدث عن تطور التهديد الإرهابي في العالم بعد النهاية الميدانية لداعش في سوريا والعراق، وقدم معطيات رقمية تفيد بأن مقاتلين أوروبيين انتقلوا إلى أفغانستان وآسيا الغربية، وأن من بين ال6000 أوروبي الذين غادروا، يوجد 1300 فرنسي كانوا قد اتجهوا نحو المشرق العربي، وهذا ما يؤكد كونية ظاهرة الإرهاب، وفقا للخبير الفرنسي في دراسة ومكافحة التطرف العنيف.

وأشار بريزار إلى أن التنظيمات الإرهابية قد برهنت باستمرار عن قدرتها على البقاء والتطور والتأقلم مع كل وضع، فإلى حد الساعة ما زال الإرهابيون في نشاط مستمر، رغم أن قدراتهم في سوريا والعراق قد أصبحت ضعيفة، ولهذا فالعالم، كما يقول بريزار، يعيش مرحلة انتقالية وإعادة ترتيب، موضحا أن الدول الغربية في البداية كانت تعتقد أن تنظيم داعش لا يعنيها، ولكن بعد تعرضهم للعديد من العمليات الإرهابية المدمرة، أدركوا بأن المسألة تعنيهم، وأن عليهم العمل مع كل الدول المعنية من أجل القضاء على هذا الخطر، خاصة أن تلك الجماعات قد استفادت من الثورة التكنولوجية، وطورت طريقة اشتغالها، وانتقلت إلى ما يمكن تسميته بالخلافة الافتراضية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استقطبت متعاطفين كثر.

وفي الجلسة الثانية، المخصصة لمحور "ما بعد داعش: الإرهاب في إفريقيا وأثره على الأمن العالمي"، قدم عبد الحق باسو، الخبير المغربي في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، مداخلة حول "الإرهاب في منطقة الساحل كإشارة لولادة الجيل الثالث من الجهاد بعد القاعدة وداعش"، وتساءل: هل نحن أمام جيل ثالث من الإرهابيين؟ موضحا أن الجيل الأول ظهر مع القاعدة والجيل المسلح من المجاهدين الأفغان، والثاني الذي ظهر بعد احتلال العراق مع داعش. أما الجيل الثالث، فهو الذي يمكن تسميته بـ "ما بعد داعش".

وأوضح باسو أن هناك رابطا بين القاعدة وتنظيم داعش، لكن هذا الأخير سيتفوق على القاعدة عبر عولمة التطرف، وتوظيف التكنولوجيا المتطورة من أجل تجنيد مجموعات كبيرة من الشباب عبر العالم، وهو ما جعل هذا التنظيم يعرف نوعا من الكونية. وأشار إلى أنه بعد دحر داعش في العراق وسوريا صارت تتغلغل في مالي ودول الجوار، وذلك بعدما رسمت لنفسها عبر محاولات سابقة تعود لـ 2014، طريقا للتمدد في إفريقيا، وما شجع ذلك هو النزاعات المسلحة في المنطقة والحركات المتطرفة كأنصار الدين، وبوكو حرام، وغيرها، التي تدعو إلى تحرير المنطقة عبر الجهاد.

وبعد استعراضه للعديد من الحركات الجهادية بمنطقة الساحل الإفريقي ككتيبة كيدال، وكتيبة الجنوب، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المعروفة بـ "الجي 4"، وتوضيحه لنوعية النزاعات المستشرية في المنطقة، وانتشار السلاح بها، تساءل: هل يمكن لداعش أن تعيش في الساحل؟ أجاب بالنفي، لأن ما يجعل داعش تستمر وتتمدد برأيه، يوجد في الشرق الأوسط وليس في إفريقيا، لأن عدوها الأول المعلن هم الشيعة، وفي الساحل لا وجود للشيعة.

ومن جهته، تحدث جون جاك كوندجي، الباحث في مجال الأمن القومي بساحل العاج، عن داعش والتهديد الجهادي في غرب إفريقيا، واعتبر أن محيط إفريقيا الغربية، يعد بؤرة جديدة للتوتر ومعقلا لداعش، ومحط تنافس العديد من الجماعات ببوركينافاصو، ومالي، وتشاد، خاصة وأن غليان المنطقة ومشاكلها يعدان مجالا خصبا لنمو الإرهاب.

وأشار كوندجي إلى أن أحد المشاكل التي تعاني منها المنطقة هي عودة المقاتلين في سوريا والعراق إلى بلدانهم، ويقدر عددهم بـ 6 آلاف مقاتل، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا، لأن فكر داعش وأيديولوجيته قد تستمر من خلالهم، وقد يعملون على استقطاب عناصر جديدة في بلدانهم، وهذا ما سيهدد أمن المنطقة وسلامها، خاصة أن هناك أسلحة خفيفة في يد المجاهدين، وتقدر بـ 10 مليون قطعة خفيفة، وهذه الترسانة قد تشجع على نمو الحركات وتطوير عملها.

وأوضح الباحث الإيفواري أن هناك نموا للإرهاب الانفرادي أو ما يعرف بـ "إرهاب القرب" بالمنطقة، وأن سقوط داعش في العراق وسوريا، لا يعني دحرها، لأن إيديولوجيتها مستمرة، ولهذا يجب تكثيف الجهود، ودعم التعاون الدولي، والقضاء على كل أشكال النزعات الانفصالية بإفريقيا، لأنها هي السبيل الكفيل لدحر تلك التنظيمات والقضاء عليها نهائيا.

أما مارك أنطوان بيروز دي مونكلو، كبير الباحثين في معهد البحث من أجل التنمية بفرنسا، ورئيس تحرير مجلة "إفريقيا المعاصرة"، فقد انطلق في مداخلته من سؤال مركزي يتعلق بالجهاد في الساحل، وقال: هل هو محلي أم عالمي؟ مشيرا إلى بؤر التوتر في إفريقيا، والتي حددها في شباب القرن الإفريقي، وجماعة بوكو حرام في التشاد وأكني.

وأضاف الباحث الفرنسي أن الدينامية المحلية لها دورها وأهميتها في التقليل من خطر هذه الجماعات والأعمال الإرهابية ككل، خاصة إذا ما تم الاهتمام بالعوامل أو الدوافع التي تجعل الأفارقة يلتحقون بتلك الجماعات، وعلى رأسها عامل أساسي وهو التطرف الديني، ومشكل الفساد، واستغلال النفوذ في تلك المناطق الإفريقية. فكل تلك العوامل، حسب الباحث، جعلت تلك الجماعات، تنتشر وتتمدد في الساحل الإفريقي، خاصة وأنهم يعتقدون أن هناك حربا غاشمة على الإسلام.

وأوضح مارك أنطوان أن تلك الجماعات تسعى إلى جعل الإرهاب ذا بعد عالمي، وأن هدفها الأساسي هو الترهيب، وأنها قد نجحت بالفعل في ذلك، مؤكدا أن المسلمين الأفارقة ليسوا بحاجة إلى تمويل وهابي أو إلى السعودية، لأن لديهم طرقهم الخاصة في الاشتغال، وهذا ما يجب الانتباه إليه.

وفي الجلسة الثالثة، المخصصة لمحور "التنظيمات الإرهابية في مرحلة ما بعد داعش: استراتيجيات الانتشار ومآلات التحول"، تحدث محمد بنصالح، الأستاذ المحاضر بمدرسة الحكامة والاقتصاد بالرباط، ومدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بإسبانيا، عن ضرورة القيام بمراجعة للسرديات التفسيرية للظاهرة الإرهابية، مقترحا مجموعة من عناصر التحليل المسعفة في بناء براديغم جديد، بناء على التحوّلات والمستجدّات المتسارعة في هذه المرحلة الدقيقة التي تتصادم فيها التطرّفات في صراع تراجيدي جعل عالم اليوم أشبه بعالم هوبز الفوضوي (حرب الكل ضد الكل).

وأشار بنصالح في مداخلته المبنية على سؤال رئيس: "هل ثمة حاجة إلى سردية تحليلية للظاهرة الإرهابية؟"، إلا أن مقاربة موضوع "ما بعد داعش" تحتاج قدرة غير عادية على تجاوز الكليشيهات المتداولة من أجل فهم أعمق لما يسمى بالظاهرة الجهادية، وسبر أغوارها، واستجلاء أسبابها واستكناه سبل فهمها وأساليب مواجهتها والقدرة على استشراف مآلاتها، أخذا في الاعتبار ضرورة معالجة العوامل المهيجة للمخيلة الإرهابية، مثل التهميش الاجتماعي والإقصاء الاقتصادي وانسداد الأفق السياسي وعنف العولمة وطغيان الرأسمالية المتوحشة المستبيحة للإنسان والأوطان، وأزمات المجتمعات المعاصرة، وانعدام العدالة في النظام الدولي، وغياب الديمقراطية البينية في العلاقات الدولية، وممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتغاضي عن مآسي الملايين في سوريا، ودق أسافين التفرقة الطائفية في منطقة الشرق الأوسط.

ودعا بنصالح إلى ضرورة التفكير في أنماط التدين الجديدة، وتنامي النزعات الفردية في هذه الأنماط، حتى يتأتى فكّ بعض مغاليق تطور "الظاهرة الجهادية"، لأن النماذج الكلاسيكية للمنظمات الإرهابية المعتمدة على الهرمية، لم تعد هي الطاغية في مسرح الإرهاب الدولي الذي باتت الذئاب المنفردة من شخوصه الأكثر ضراوة والأشد عنفا وفتكا، وبالتالي فإن التحليلات السابقة على هذه التحولات لم تعد تفي بالغرض في فهم الظاهرة وتقديم الحلول الناجعة لمواجهتها، وهي بالنتيجة في حاجة إلى "براديغم جديد"، يأخذ في الاعتبار، إضافة إلى العناصر السابقة، طرح سؤال الأخلاق في السياسة، وسؤال الأخلاق في الدين، وسؤال الدين والسياسة، وسؤال الدين والتدين، وسؤال الدين والأيديولوجيا.

وتمحورت مداخلة رهان غونراتنا، رئيس مركز الأبحاث في العنف السياسي والإرهاب بسنغافورة، حول التوسع العالمي للدولة الإسلامية، حيث أشار إلى الارتباك الذي يعرفه العالم بسبب صعود جيل جديد من الإرهاب، أكثر تطرفا وأشد خطرا، وهو ما تسبب في خلط أوراق النظام العالمي. فالإرهاب الجديد، برأيه، خلق أنماطا جديدة من التفاعلات تختلف في بعض جوانبها عما كان معتادا في العلاقات الدولية، منذ نشأة الدول القومية أو الوطنية، لأنه يرمي إلى إقامة دولة (خلافة) تستطيع "البقاء والتمدد"، وفق الشعار الذي يرفعه تنظيم "الدولة الإسلامية"، أو ما يعرف بـ "داعش".

ونبه الخبير الدولي في قضايا الإرهاب إلى ضرورة الاهتمام بهذا التحول الخطير للتنظيمات الإرهابية بعد الربيع العربي، وإلى البحث بعمق في الكيفية التي تنظم بها هذه التنظيمات الإرهابية ذاتها بهذا الشكل الملفت للنظر، والذي يسمح لها بالتوسع، ونشر خلاياها في جميع أرجاء العالم.

أما دفيد كارتنشتين روس، الخبير في مكافحة الإرهاب والمستشار في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، فقد تحدث عن الكيفية التي يمكن من خلالها التعرف على التنظيمات الجهادية، التي أصبحت تتوالد بسبب النزاعات الطائفية والعرقية وتجاذب المصالح، والتي أصبحت تمتلك تقنيات عالية الدقة في التواصل، وتوظيف التكنولوجيا المتطورة لتحقيق أهدافها.

وأوضح روس أن تطورات الأحداث أثبتت أنه كلما انتهى تنظيم إلا وحل محله تنظيم آخر، وقد اعتقد المتتبعون أن الإرهاب انتهى بنهاية القاعدة ووفاة ابن لادن، ولكنه ظهر في ثوب جديد مع داعش، والتي استثمرت ما كانت عليه القاعدة، وهو ما يؤشر على التحول النوعي في هدف الإرهاب الذي كان محصورا، على مدى عقود عدة، في السعي إلى تحدي السلطات في بلاد ورفع السلاح ضدها، ومحاولة زعزعة أركانها، أو توجيه ضربات في دول غربية أو ضد مصالحها في مناطق مختلفة في العالم من وقت إلى آخر.

جلسات اليوم الثاني 7 أبريل (نيسان)

وخلال اليوم الثاني من أشغال المؤتمر، قدم مجموعة من الباحثين والمتخصصين العرب والدوليين مداخلات نوعية تناولت التهديدات الإرهابية المستمرة لتنظيم داعش، وغيره من التنظيمات المتطرفة، على أوروبا والعالم العربي، والتحديات المستقبلية لمواجهة التطرف العنيف، وإشكالية عودة المقاتلين، سواء الأجانب أو العرب، إلى بلدانهم، وخطر ما يسمى ب"الذئاب المنفردة" في العالم.

وقد خصصت الجلسة العلمية الرابعة لمحور "ما بعد داعش: التهديدات الإرهابية لأوروبا والعالم العربي"، حيث عرفت مشاركة أليكس شميت، مدير مبادرة أبحاث الإرهاب الدولية، والباحث في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب بواشنطن، والذي قدم مجموعة من التوضيحات النظرية حول الراديكالية، والتطرف، والتطرف العنيف، وذكر أن الراديكالية هي المصطلح الذي كان يستعمل إلى غاية الهجوم الأمريكي على العراق، وبما أن صناع القرار كانوا يرغبون في مدخل يشرعن دخولهم إلى العالم الإسلامي، تم اللجوء إلى مصطلح التطرف.

وأشار شميت إلى أن الراديكالية والتطرف لهما نفس الجذور، وأنهما لا يرتبطان بالظروف التاريخية وببرامج الأحزاب السياسية، ولكنهما ظاهرتان مختلفتان؛ فالراديكالية نهج أو سياسة تسعى إلى التغيير وإدخال إصلاحات جذرية على النظام الاجتماعي القائم، ومن معاني الراديكالية كذلك التطرف؛ أي النزعة إلى إحداث تغيرات متطرفة في الفكر والعادات السائدة والأحوال والمؤسسات القائمة. وقد ظهرت في بداية الأمر للإشارة إلى تصلب رجال الكنيسة الغربية في مواجهة التحرر السياسي والفكري والعلمي في أوروبا، وللدلالة على تصلب رجال الكنيسة و"راديكاليتهم" ؛ أي تعصبهم وتصلبهم وإصرارهم على الأصول القديمة دون تجديد.

وأوضح أنه يصعب التفريق بين التطرف والعنف واللاعنف، كما يصعب تحديد العديد من المصطلحات بشكل جيد ودقيق، كالاعتدال، والجهاد، وأضاف إنه من الصعب الحديث عن الإرهاب من دون تطرف، متسائلا عن العلاقة بين الجهاد والإسلام. واعتبر أن جرائم الحرب هي نوع من الإرهاب، لكن هذا الأمر لم تتقبله الأمم المتحدة، وهو ما دفعه إلى الاشتغال الأكاديمي على هذه المفاهيم، لضبط الكثير من الأمور، خاصة وأن هناك من يعرف الإرهاب كعقيدة، وينظر إليه كاستراتيجية سياسية أو طريقة نفسية للتأثير على المجتمعات.

وخلص شميت إلى أنه يصعب تقديم تعريف للإرهاب، ما دمنا نخلط بين المقاتلين الأحرار، وبين المقاومة الشرعية، والعمليات المدبرة، متسائلا "هل مقاومة الاحتلال تدخل في خانة الإرهاب؟"

ومن جهته، تطرق كمال حبيب، الباحث المصري في شؤون الإرهاب والجماعات الإسلامية، لموضوع التحديات المستقبلية لمواجهة التطرف العنيف، وتناول تجليات وتحولات التطرف العنيف في مصر وما يمثله من تحديات مستقبلية جوهرية للدولة، وذلك بعد سقوط وانهيار تنظيم داعش في مراكزه الرئيسة في العراق وسوريا، حيث أعلن الخلافة، ومثل تحديا للعالم كله من جهة تهديد أمنه واستقراره، ومن جهة العمل على تحطيم الحضارة الإنسانية المعاصرة ووضعها على حافة الهاوية عبر التأسيس لحالة "مهدوية" تبشر بقرب نهاية العالم.

وذكر الباحث أن مصر عرفت التطرف العنيف منذ وقت مبكر، إذ تأسست أول خلية لتنظيم الجهاد في مصر في نهاية الستينيات من القرن الماضي، وأنه عرف تحولات مع تنظيمات أخرى ساهمت في التخطيط لانقلابات عسكرية، وبعدها لاغتيال الرئيس أنور السادات. وفي مطلع التسعينيات، بدأت الجماعة الإسلامية في مصر عنفها ضد نظام الرئيس حسني مبارك، وقتلت رئيس مجلس الشعب المصري الدكتور رفعت المحجوب، وكان هذا العقد هو عصر المواجهة الكبرى المفتوحة للتطرف العنيف مع الدولة المصرية بتأثير عاملين مهمين: أولهما العامل الأفغاني، وثانيهما العامل الجزائري.

وأضاف الباحث المصري بعد استعراضه للعديد من التنظيمات الإرهابية بمصر ومن ضمنها تنظيم القاعدة، أن تنظيم ولاية سيناء الذي بايع داعش في نهاية عام 2014 مازال يمثل أكبر التحديات المستقبلية التي تواجه الدولة المصرية، وأنه رغم أن الحملة الشاملة لعام 2018 لمواجهة التنظيم في مثلث تواجده برفح والشيخ زويد والعريش قد بدأت منذ ما يقرب من الشهرين، وأن الحملة كانت قوية وشاملة، إلا أنه من المرجح أن يبقى التنظيم قادرا على العمل بعد نهايتها، وذلك لاعتماد الحملة على المقاربة الأمنية وحدها دون تبني منظورات اجتماعية وسياسية وثقافية واسعة تعتمد على استراتيجيات تنموية وتوعوية تكسب فيها العقول والقلوب لأبناء القبائل في سيناء، والذين يمثلون بشكل أساسي المخزون الاستراتيجي لإمداد التنظيم بالقوة البشرية الجديدة.

أما محمد جاسم، الباحث العراقي في قضايا الإرهاب والاستخبارات، فقد تحدث عن خطر عودة المقاتلين الأجانب إلى ألمانيا بعد خسارة تنظيم داعش معاقله في سوريا والعراق، وعن زوجاتهم اللواتي يشكلن خطرا كبيرا، لأن بعضهن لعبن دورا كبيرا في التجنيد، كما أنهن قد يؤثرن على أطفالهن الذين يشكلون هم أنفسهم خطرا إذا فاقت أعمارهم 6 سنوات، وذلك بسبب التأثير الأيديولوجي والعقائدي، وبالتالي فأطفال ونساء "الدواعش" قد يشكلون خطرا على ألمانيا.

وقال مدير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات بهولندا وألمانيا، إن تقريرا لمنسق مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي جيل دي كيرشوف، يقدر عدد الأوروبيين "الدواعش" بأكثر من 5 آلاف شخص، بعضهم قتل في المعارك بسوريا والعراق، وبعضهم ما زال يقاتل، بينما عاد قرابة 1750 منهم إلى بلادهم. وأشار إلى أن الحكومة الألمانية تعتقد بعودة 100 طفل مولودين لأبوين ألمانيين ينتميان إلى داعش. وتقدر السلطات الألمانية من جانبها عدد الإسلامويين الخطيرين أمنياً بحوالي 720 شخصاً، فيما تقوم الشرطة الجنائية وجهاز الاستخبارات الألمانية الداخلية بتحليل سيرة نحو 800 من الإسلاميين العائدين إلى ألمانيا من مناطق الصراع "الجهادية" في الخارج، والذين تتراوح أعمارهم بين 13 و62 عاما، 73 في المائة منهم من جنسية ألمانية، و27 في المائة من جنسية مزدوجة، و39 في المائة منهم من أصول تركية وسورية وروسية ولبنانية، و10 في المائة منهم عادوا بسبب إحباطهم ورفضهم لتلك الأيديولوجيا المتطرفة.

وكشف جاسم أن الاستخبارات الألمانية أعلنت عن سفر ما يقارب 940 ألمانيا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف داعش، وتمثل النساء الداعشيات 20% من ذلك الرقم؛ أي ما يقارب 200 امرأة، غالبيتهن لديهن أطفال، وبعضهن تزوجن هناك وأنجبن أطفالا في ظل "دولة داعش" وعاد نحو ثلثهم إلى ألمانيا، وهو ما يستدعي المراقبة المستمرة، حيث يتم الفصل بين النساء وأطفالهن في بعض الحالات، وذلك لتجنيبهم التأثر بتلك الأفكار المتطرفة.

وقال إنه على الرغم من ذلك، فإن القضاء الألماني يصدر أحكاما مخففة على هؤلاء العائدين مقارنة مع فرنسا وبريطانيا، وقد يتسامح مع الزوجات ولا يخضعهن للمحاكمة إذا لم يكن متورطات، مشيرا إلى أن مهمة القضاء في ألمانيا لا تنحصر في تحقيق العدالة فقط، ولكن تسعى إلى ضمان خروج المشتبه بهم والمتهمين والمحكومين بحالة أفضل من حالتهم قبل أن تبدأ محاكماتهم أو سجنهم، وهذا يشمل تقديم استشارة نفسية أيضا.

وخلال الجلسة الخامسة، ركز مصطفى الرزرازي، أستاذ إدارة الأزمات، ومدير المركز الإفريقي للدراسات الآسيوية، في مداخلته المعنونة بـ "من أجل خطة عمل مشتركة لنبذ التطرف لدى نزلاء المؤسسات السجنية المتابعين في قضايا الإرهاب والتطرف العنيف"، على برامج إعادة تأهيل النزلاء المتابعين في قضايا التطرف العنيف والإرهاب بالمغرب، خاصة برنامج "مصالحة المغربي"، الذي أطلقته المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، واستفاد منه النزلاء المتابعون في ملفات الإرهاب والتطرف.

وأوضح الرزرازي أن برنامج المصالحة يقوم على مقاربة تكاملية، تشمل التكوين في العلوم الشرعية والدينية، انطلاقا من منهجية تتأسس على جدلية تفكيك خطاب التطرف والكراهية، ثم إعادة تأهيل النزلاء المشاركين من أجل اكتساب مهارات النقد والاستدلال الشرعيين، انطلاقا من العقيدة الأشعرية المالكية الوسطية. كما يضم البرنامج حصصا يومية مركزة من المصاحبة والمتابعة النفسية المتخصصة، الهادفة إلى تطوير المهارات النفسية والذهنية والسلوكية للنزلاء وفق تقنيات ووسائل علمية، إضافة إلى أن البرنامج ينظم عدة ورشات تكوينية حول الحركة الحقوقية بالمغرب، وآليات العمل الحقوقي عالميا، وجهويا ومحليا، علاوة على دستور 2011 وتعزيز آليات التدبير الحقوقي والحكامة الجيدة بالمغرب، ثم محور مخصص للقوانين الدولية والمحلية المنظمة للجرائم الإرهابية. ولتكتمل البنية الشمولية للبرنامج البيداغوجي، قال الرزرازي، تم تخصيص جزء خاص من التكوين لتعزيز المهارات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال ورشات تكوينية وتأهيلية، هدفت إلى تعزيز كفاءات النزلاء المشاركين المعرفية والتقنية في تدبير الاندماج السوسيو اقتصادي، وتنمية خبراتهم في الكسب الشريف من خلال امتلاك مفاتيح التدبير المقاولاتي.

وقال الباحث الأستاذ في جامعة طوكيو، إن هذه المبادرة وصفت بأنها متميزة، ومتكاملة، وعلمية، وهي تختلف عن سابقاتها من التجارب، لأنها لم تختصر عملية التأهيل المناهض للتطرف في السجال الفكري، بل استندت على مقاربة ديناميكية، تتناسب مع طبيعة المستفيدين. وأوضح أن الشريحة المهيمنة اليوم داخل السجون بالمغرب هي من النزلاء المتابعين في ملفات لها ارتباط بتنظيم داعش أو جبهة النصرة أو أحرار الشام، وهم في مجملهم من شريحة من المنقطعين عن الدراسة في مراحل تتراوح ما بين الإعدادي والثانوي، ولذا نجد مجملهم لا يملكون قدرة على الإقناع، بل إن أغلبهم تطرف من مداخل وجدانية ونفسية واجتماعية أكثر منها فكرية أو معرفية، ولذا فآلية المراجعات تبدو غير ذات جدوى اليوم، لأنها مناخ المقارعة والإقناع غير متوافر، إلا ضمن شريحة محدودة غالبا لا تعود، بل تفضل التنقل بين ساحات التوتر والاقتتال. هذا علاوة على أن المغرب لم يشهد من قبل مراجعات عل نفس المنوال الذي عرفته مصر أو ليبيا، بل كانت تجربة النزلاء السابقين ممن قدموا نقدا ذاتيا على شكل حوارات ذاتية.

وأكد الرزرازي أن هناك صعوبات قد تعترض عمليات إعادة التأهيل ليس في المغرب فقط، ولكن في العالم، من أهمها، صعوبات قبول المجتمع بإعادة إدماج النزلاء السابقين، علاوة على ضيق فرص العمل بسبب السوابق؛ فالمبادرات المتعلقة بإعادة الـتأهيل تلعب أدوارا مهمة وتكميلية للجهد الأمني في محاربة التطرف والعود والاستقطاب داخل السجون وخارجها. لكن هناك مشاكل تتجاوز المؤسسة السجنية، ترتبط بضرورة تفعيل آليات لاحتضان السجناء السابقين داخل المجتمع، خاصة في الاندماج المهني والاقتصادي: إذ يجب تجاوز توصيف السجناء السابقين بالـ "الحباسة"، كما يجب الاشتغال ضمن منظومة الإصلاح القضائي على حل مشكلة بطاقة السوابق القضائية التي تعيق عملية البحث عن عمل لمن عنده "الوسخ" كما يتعارف عليه سلبيا في دارجتنا.

ومن جهته، قدم محمد نصر كروم، الباحث في شؤون الإرهاب والجماعات الإسلامية، والقيادي السابق في الجماعة الإسلامية بمصر، شهادة من الداخل عن "السجون والتحولات الفكرية للجماعات التكفيرية"، على اعتبار أنه واحد من الذين قاموا بهذه المراجعات، وعاش تجربة السجن لمدة 11 سنة، وبعدها أفرج عنه هو و16 ألف سجين آخر من معتقلي الجماعة الإسلامية بمصر.

وذكر كروم، أنه خلف جدران السجون ولدت أكثر الجماعات عنفا وتطرفا وتكفيرا، من مثل جماعة "التكفير والهجرة" في ستينيات القرن الماضي بمصر، والتي انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين، وخلف تلك الجدران أيضا ألفت العديد من الكتب، وأصدرت الأوامر والتكليفات، حيث كانت بمثابة دويلات صغيرة، لأنها كانت تضم مؤسسي ومنظري تلك الجماعات.

وأوضح الخبير المصري أن من أبرز العوامل التي تؤدي إلى التحول الفكري داخل المعتقل، هو ما تحمله تلك الجماعات من أفكار متطرفة متصادمة مع واقع المجتمع، وعدم قدرتها على استيعاب الواقع الذي تعيش فيه، ووضعها لنفسها أهدافا أقرب إلى الأحلام والخيال منها من الواقع، ومحاولة تكوع الواقع بالأدلة الشرعية لخدمة تلك الأحلام والأوهام، وهذا ما حدث مع الجماعة الإسلامية في مصر، وتكرر الأمر نفسه مع داعش، كما أن هذه الجماعات تحمل عوامل هدمها، لأن مجرد إبداء الرأي المخالف يعني داخل تلك التنظيمات الردة عن الدين، واستباحة القتل، أو الاتهام على الأقل بالخيانة والعمالة. هذا ناهيك عن الهيكل التنظيمي لهذه الجماعات الذي يقوم على منطق الأسياد والعبيد. ولعل هذه العوامل إلى جوانب عوامل أخرى، هي التي اعتمدتها أجهزة الأمن المصرية، حيث وظفت ضباطا أكفاء ذوي ثقافة إسلامية صحيحة، للتعامل مع هؤلاء المعتقلين في السجون، وقد نجحوا في سحب أعداد كبيرة ممن كتبوا طلبات للمراجعة والتوبة، والاستعداد لمغادرة الجماعة.

أما محمد عبد الوهاب رفيقي، الباحث المغربي في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف والإرهاب، والمعتقل السابق في ملف السلفية الجهادية بالمغرب، والملقب سابقا بـ "أبو حفص"، فقد تحدث عن المراجعات داخل السجون العربية، وذكر أنها أدت إلى وقوع انشقاقات داخل الحركات الجهادية، وأحدثت تصدعات كان لها أثر في العلاقة مع السلطة، وفي مواقف هذه الحركة من المجتمع عموما، والانخراط في الحياة العامة والسياسية خصوصا، بل تركت تلك الانشقاقات أثرها حتى على الأدبيات الصادرة عن هذه الحركات، والتي تتحول بعد الانشقاق إلى ردود وردود مضادة.

وأوضح رفيقي، الذي يعد أحد أبرز شيوخ السلفية الذين قاموا بالمراجعات في المغرب، أنه لا يمكننا الخروج بحكم عام حول هذه التجارب، لاختلاف سياقاتها وظروفها ودوافعها، بل وحتى اختلاف مضامينها ومخرجاتها، فضلا عن خصوصية كل دولة معنية بكيفية التعامل مع الظاهرة وطرائق التعاطي معها. وأفاد بأنه إذا كانت التجارب بمختلف الدول العربية، قد وجدت من يعتني بها رصدا وتحليلا ومتابعة، سواء على مستوى البحث والدراسة أو على مستوى الإعلام والصحافة، فإن التجربة المغربية في هذا الباب تعاني شحا وقلة في المصادر والمراجع، وندرة في المتابعة، بل شبه غياب في البحوث والدراسات، مما جعل كثيرا من الغموض يلف تفاصيلها وحيثياتها وسياقاتها، بل لا زال من يطرح التساؤل، إن كانت هناك مراجعات يمكن الحديث عنها، خاصة مع حالة الفوضى التي عرفها ويعرفها التيار السلفي الجهادي بالمغرب، مما جعل الموضوع محاطا بكثير من الالتباس و الضبابية.

إلا أن المعطى الوحيد الذي يمكن البناء عليه في هذا الباب، في ظل عدم وجود أية أدبيات أو إصدارات يمكن الاعتماد عليها، هو المقارنة بين مواقف ما سمي ب "شيوخ السلفية"، ورصد ما إن كانت ثابتة أو خضعت للتغير، سواء كان ذلك في اتجاه متطرف أو متزن، وهو الأمر المتيسر في ظل الحضور الإعلامي الدائم لهؤلاء الشيوخ، وفي ظل ما أتاحته وسائل التواصل الاجتماعي من إمكانية تتبع المواقف وتحليلها.

وفي الجلسة الأخيرة من المؤتمر الدولي، تحدث الفيلسوف الفرنسي جاكوب روغوزنسكي، عن داعش والإرهاب، وقال بأن البطن التي أنجبت داعش ما زالت خصبة، في دلالة على أنه حتى وإن تم دحر داعش في العراق وسوريا، فإن الأيديولوجية المتطرفة ما زالت موجودة، وأن ظروف نمائها واستشرائها مازالت قائمة، خاصة مع تعمق الشعور لدى الشباب بالظلم والتهميش والقهر، والخوف من المستقبل، وعدم الثقة بالمحيط الذي يعيشون فيه.

وحول مفهوم الإرهاب، ذكر الفيلسوف الفرنسي، أنه ما زال ملتبسا، ويخلق إشكاليات كبيرة في التعريف، فهو برأي الأمريكيين الموت من أجل الميلاد الجديد؛ وهو يعني ولادة جديدة لشخص ما اعتناقا منه لعقيدة التطرف والإرهاب بدل عقيدة الاعتدال والوسطية؛ فبكل بساطة المسألة تتعلق بالتحول من عقيدة إلى أخرى، من عقيدة السلام إلى عقيدة الكراهية.

وأوضح جاكوب أن معظم الشباب الأوروبيين الذين التحقوا بداعش حركتهم تلك الشرائط التي تقدم نظام بشار الأسد يقتل الأطفال، سعيا إلى الانتقام من الظالم وتضامنا مع المظلوم، ولكن في الحقيقة فإن فخ الجماعات الإسلامية هو الذي كان يتربص بأولئك الشباب، وكان يبيع لهم الوهم. وقال إن التنظيمات الإرهابية وظفت تراث السلف لصالحها، وذلك بالبحث عن أبطال كان لهم دور في أحداث عرفها التاريخ، حيث خلق منهم الإرهابيون قدوة، وبهذا فنحن نتحدث عن إيمان الإرهابي أو التطرف كعقيدة إيمانية تؤمن بأن المنتحر سيعيش على الفور بعد موته حياة سعيدة. وخلص إلى أن معالجة التطرف تعني توسيع دائرة المحبة وتقليص دائرة الكراهية.

أما سعود الشرفات، المدير العام لمركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب بالأردن، فقد تناول موضوع "ما بعد داعش: التحديات المستقبلية في مواجهة التطرف والتطرف العنيف، مستقبل الظاهرة الجهادية في مرحلة ما بعد داعش"، وأشار إلى أن الاهتمام العلمي البحثي بهذه الظاهرة في العالم العربي يكاد يكون منعدما، وإن وجد فأغلبه سطحي أقرب إلى نشرات الأخبار، وفي المقابل نجد توسعا في الاهتمام بالظاهرة في الغرب بعد 2001، ولكنه يغلب عليه طابع تحليل المخاطر، والنظرية الواقعية، ووجهات السلطات والحكومات، لأنه في الأصل ممول من تلك الجهات الرسمية بهدف مكافحة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين، وليس دراسة وفهم الظاهرة.

كما أشار إلى خطورة ظاهرة الذئاب المنفردة، على الرغم من كونها لا تشكل سوى اثنين في المائة من نسبة العمليات ككل، وذلك لصعوبة التنبؤ بها، معرفا الذئب المنفرد بأنه "أي شخص يرتكب عملا إرهابيا بشكل منفرد تماما، بعيدا عن أية هيكلية أو أوامر قيادية أو دعم مادي من أية جهة، وإن كان قد يتأثر أو يحظى بدعم جماعة أو تنظيم أو حركة أو أيديولوجية ما".

وأكد الشرفات أن ظاهرة الذئاب المنفردة حاليا ظاهرة متخطية للأيديولوجيات والأديان، بعد أن كانت اتجاها فرعيا في ظاهرة الإرهاب بشكل عام منذ العقد الماضي، وهي مرتبطة بسيرورة العولمة، وآلياتها التكنولوجية والثقافية. وتشير البيانات الكمية المتوفرة إلى أن العدد الكلي للذئاب المنفردة قد بلغ 88 ذئبا منفردا في 15 دولة أوروبية وأمريكية من 1968 إلى 2010، نفذوا ما مجموعه 189 هجوما، أي بمعدل 5 عمليات إرهابية سنويا.

وخلص الباحث الأردني إلى أن إرهاب الذئاب المنفردة لم يعد حدثا معزولا أو اتجاها فرعيا، بل أصبح ظاهرة قارة في العالم في الحقبة الحالية من سيرورة العولمة، واخطر من إرهاب المنظمات والجماعات الإرهابية، وربما سيتجاوزه مستقبلا بالنظر إلى التسارع الكبير في سيرورة العولمة، والتطور التكنولوجي.

وكان ختام هذه الجلسات هو مداخلة نبيل نعيم، الخبير المصري في الجماعات الجهادية والقيادي السابق في جماعة الجهاد المصرية، الذي تحدث عن تجربته من داخل هذه التنظيمات الإرهابية، وبسط مكوناتها وأفكارها وأيديولوجياتها المتطرفة التي لا علاقة لها بالإسلام الصحيح، وهي الأفكار التي قام بمراجعتها، حيث ساهمت مراجعات جماعة الجهاد بمصر إلى تسريح 3200 معتقل من السجون المصرية.

وأضاف نعيم أن أسباب ظاهرة الإرهاب ما زالت قائمة، رغم أنه تم القضاء على التنظيم في العراق وسوريا، وطرح تساؤلا ت مهمة هي: هل يمكن اعتبار مقاومة الاحتلال حقا مشروعا أم لا؟ وهل المقاوم إرهابي؟ وأين ذهبت مكونات داعش في سوريا والعراق بعد هزيمتهم؟ وأنحى باللائمة على سياسة أمريكا الشرق أوسطية، متسائلا لماذا لم يتم القضاء على عناصر داعش بشكل نهائي في العراق، على الرغم من القدرة الأمريكية على ذلك؟ وشدّد على أن الولايات المتحدة لم تقم بما يلزم من أجل ذلك، ملمحا إلى مسؤوليتها في نشوء الإرهاب في المنطقة.

وقال نعيم إن الوصف الحقيقي لتنظيم داعش يعود إلى 1409 سنة، حيث جاء على لسان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :"إذا رأيتم الرايات السود، فالزموا الأرض، فلا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء حتى يختلفوا فيما بينهم ثم يؤتي الله الحق".

وختم بأن الهزيمة الفكرية لتلك التنظيمات هي السلاح القاتل لها، لأن المغرر بهم لا يمكن أن يضحوا بأنفسهم من أجل فكرة مهزومة.






أضف تعليق